كلمات واقفة

كلما اقتربت من القرية تزداد كثافة الدخان , وهناك حركة غريبة , السيارات من حولي تسير في عجلة والوجوه مرهقة وعيون اغلب من صادفت أعيني بهم كانت حمراء , طريق اربيل البعيد متعب جداً , لم اكن انوي ان اغادر لكن العمل ألزمني بالذهاب,

منطقتي (كرعزير) التي عُرِفت في اوقات الغروب بالزحمة قرب الأسواق وتجمعات الرجال و جلسات النساء أمام دورهن, الأن عبارة عن كومة من التراب والجثث , فقط عائلتي وحدها من ثار قلبي خوفاً عليها , اصطدمت بالناس و انا اقطع مسافة أصبحت كحدود تفصل ما بين دولتين , عليّ ان ارى اولادي وزوجتي و أطمئن عليهم.

وصلت, نعم وصلت, ولم اجد منزلي, ما اراه مشهد من حطام, و والدي الشيخ يحفر الانقاض بأظافره , ينده على اولادي و أمهم , لم اعلم ما حصل بعدها , استيقظت و انا نائم على فراش في مستشفى آزادي في محافظة دهوك بين جرحى فقدوا أهاليهم,,

ادرت وجهي يميناً ويسارا أملاً في إيجاد أسرتي معي لكن لم أرى غير والدي, أقترب مني, قلبني وهو يقول : اعلم انك رجل قوي ومؤمن ,وترضى بالمكتوب لك دائماً,  الله شاء ان تكون اسرتك تحت رحمته, قل الحمدلله. هكذا ببساطة و بفارق ساعات فقدت 4 اطفال وزوجة احبها.

اصدقاء وصحفيين كثر يسألونني : ما سبب حالة الخوف والترقب التي يعيشها ابناء جلدتك؟

لماذا انتم ككرة الغزل ملفوفين على بعضكم و لا تفكرون بالخروج من قوقعتكم؟  لماذا نلاحظ نوعاً من الجبن فيكم بعدم القدرة على المواجهة؟

الاجابة كانت صعبة , وتزداد صعوبة كلما تكرر السؤال , تغاضيت عن البعض منهم , و آخرون كان مهم بالنسبة الي إعطائهم اجابة يكتفون بها . الصعوبة لم تكن في الرد فقط بل في تحليل الحالة النفسية التي توصلت اليها الايزيدية بفعل اعمال وحشية عبر قرون.

14-أب-2007 تأريخ امتلأت به سجلات المستشفيات و تواقيع المتبرعين بالدم و أقلام أصحاب الضمير الحي و أيادي الخيرين من الناس , في مساء ذاك اليوم و في منطقة كرعزير و سيبا شيخدر في محافظة نينوى أهدى الارهاب أكثر من 500 روح بريئة هدية للأيادي الملطخة بالدم , ما أُعلن من دوافع لهذا العمل الاجرامي هو “هؤلاء كفار”…

ناحية القحطانية ؛ كرعزير باللغة الكردية وسيبا شيخدر المعروفتان بالفقر و الطيبة كانا هدفاً مناسباً لتنفيذ أكبر عملية ارهابية في العراق , تفجير شاحنتين محملتين بمادة الـ (TNT) وسط الاسواق والمنازل , حيدر الذي سردت قصته في أول المقال كان رقماً من بين عشرات الافراد الذين فقدوا عوائلهم بالكامل ,

عمليات التفجير تلك لم تثمر عن قتلى فقط بل أمواتاً نصف احياء , وأحياءاً بقوا بلا مأوى وبلا راعي و ولي , و انتهت باحتفالات في بعض من المواقع الجهادية الالكترونية العراقية.

لا نود أن نبتعد عن الواقع قكل البلدان التي تمر بمراحل انتقالية والتي تتكون من أطياف وأعراق مختلفة يكون الفرد فيها معرض لمخاطر و هجمات مجهولة وأخرى قد تكون معروفة بسبب سياسات معينة , وهذا ما حصل ويحصل اليوم في العراق , فالهجمات الارهابية لم تنال من الايزيديين (الذين يسكن معظمهم محافظتي نينوى ودهوك) فحسب بل المسيحية و الصابئة المندائيين والإسلام سنة و شيعة, تقسم القتل والتهجير والترهيب بشكل عادل على جميع اطياف العراق , و اكثر من ظهرت علامات التأثير عليهم هم الايزيدية , لكون عددهم لا يتعدى المليون في العراق و أوروبا وهي اكثر ديانة تعرضت للظلم والملاحقة عبر التأريخ , فعدد الفرمات وحملات الابادة التي كادت ان تنال منها وصل 72 فرماناً , والتضحيات التي قدمتها تدفعها للمخاوف والحذر والانطواء على الذات.

لا ادري ان كان هذا رداً شافياً على أسئلة أصدقائي , لكنه أفضل ما بجعبتي من إجابة , و انا أتأمل اسئلة مختلفة عن واقع يشدنا للتفاؤل و يدفع الآلاف من المهجرين الإيزيديين للعودة للمكان الذي انبثقت منه أرواحهم و احتضنت اراضيها اجسادهم وان كانت نصف محروقة…

                                                                                       بقلم : نارين شمو

Advertisements

~ بواسطة narin shamo في 16 أغسطس 2012.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: